القاضي عبد الجبار الهمذاني

416

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وقد علمنا أن ذلك لا يصح في الآلام الواقعة بنا في حال التكليف لأنا لا نعلم من حالها أنها عقوبة ، ولا على كونها كذلك دلالة ، فيجب القضاء بأنها ليست عقوبة . وهذا أحد ما استدل به أبو هاشم رحمه اللّه في أن أهل النار لا بد من أن يعرفوا اللّه ضرورة ليصح أن يعرفوا أن ما ينزل بهم مستحق . فإن قال : أليس قد يجوز أن يفعل الآلام بمن ليس بعاقل . إن لم يعلمه ما ذكرتم ولا يدله عليه ، فهلا جاز مثله في العاقل ؟ قيل له : إن فعله ذلك بالعاقل من غير تعريف ونصب دليل إغراء على ما ذكرناه ، وليس كذلك فيمن ليس بعاقل لأن طريقة الإغراء لا تصح فيه ، لأن معنى الإغراء هو البعث على السيئ وتقوية الدواعي إليه ، وذلك يقتضي أن المفعول به عاقل مخير . وعلى هذا الوجه قلنا إنه تعالى لو شهى القبيح إلى الفاعل من غير إلجاء وما يجرى مجراه ومن غير تكليف للامتناع مما يشتهيه ، لكان مغريا له بالقبيح ، ولم نقل ذلك في البهيمة وإن حصل فيها شهوة القبيح ، لأن معنى الإغراء لا يصح فيها . فإن قال : فيجب لو فعله للنفع أن يعرف أو يدل والا كان مغريا بالقبيح كما ذكرتم في الاستحقاق . قيل له : كذلك نقول ، لكنه تعالى قد دل المكلف على أن هذه الآلام المفعولة به فعلها للنفع لما يفيده بالصبر عليها « 1 » وغير ذلك ، ولفقد الدلالة على أنها « 2 » واقعة على وجه العقوبة ؛ لأنها إذا لم تحسن إلا لوجهين وفقدنا الدلالة على وقوعها « 3 » على أحد الوجهين - مع أنها لو كانت واقعه عليه لوجب أن تكون عليه - فقد ثبت صحة وقوعها على الوجه الآخر . واعلم / أن الإغراء إنما كان يجب متى لم يكن للمفعول به سبيل إلى العلم بحسن ذلك الألم ، فيكون مغريا له باعتقاد قبحه . وأما إذا كان له سبيل إلى معرفة حسنه على التفصيل ، فقد زال الإغراء .

--> ( 1 ) في الأصل عليه . ( 2 ) في الأصل أنه . ( 3 ) في الأصل واقع .